ابن بسام

114

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

إليه صدره ، ويحلب حلبا له أكثره ، والمتوكّل بها طليح جفان ، طريح أكواب ودنان ، مكبّا على قمش ما نحّته [ 1 ] المحنة ، وتجافت عن انتهابه الفتنة ، من فرش فخم ، وسرادق ضخم ، وآنية وكتب ، وصعد من آلة الملك وصبب ، حتى اجتمع عنده من خبث زبرتها ، وغثاء غمرتها ، مع ما أذابوا له صدر مقدمه من شحم سنامها ، وأفاضوا من بردها وسلامها ، جملة علّمته الجلوس في الصّدر ، وأرته الفرق بين الخلّ [ 74 ] والخمر ، وأهل طليطلة الممتحنون ، في غمرتهم ساهون ، وعلى أعقابهم ينكصون ، يخوضون ويلعبون ، ويخرّبون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين [ 2 ] . خروج المتوكل من طليطلة ، ورجوع ابن ذي النون إليها فلمّا تمكّن المتوكّل من الرّي والشّبع ، تذكّر عواقب الطمع ، ورأى أنّه إن زاد على ملء بطنه ، كان كالسراج المنغمس في دهنه فكايدهم بفراره ، وأجلى مبادرا إلى بطليوس دار قراره ، ينشد : إن اللّه يرجعني من الغزو لا أرى * وإن قلّ مالي طالبا ما ورائيا [ 3 ] ومن غريب تأويل الأحلام ، أنّ رجلا رأى المتوكل قبل دخوله طليطلة بأعوام ، كأنه يأكل فيها طعاما فيه سلق مع رجل يسمّى يوسف ، ففسرها الأديب أبو عمر فتح المعروف بابن برلوصة [ 4 ] ، وقال : إنّ المتوكل سيدخلها على يد رجل يسمى يوسف ، وينالان من مالها [ 5 ] وذخائرها ، لكنهما يسلقان بالألسنة فيها ، ويقبح الحديث عنهما ، فخرجت الرؤيا كما فسّر . ولما دخلها وحصل إليه منها ما حصل فرّ وتركهم كالسفينة خانتها الرّيح ، والجسد بان عنه الرّوح ، بين ناب الطاغية أذفونش وظفره ، / يقدح لهم نار الفتنة عن حجره ، ويريهم الموت في أهول صورة ، مقسما لا يبرح العرصة حتى يفي لابن ذي النون

--> [ 1 ] ص : بحته . [ 2 ] ناظر إلى الآية : 2 من سورة الحشر . [ 3 ] البيت لمالك بن الريب التميمي ، انظر : ذيل أمالي القالي : 136 . [ 4 ] ترجم له ابن بسام في القسم الثاني : 805 وانظر مسالك الأباصر 11 : 442 ، وقد ورد اسمه في هذا الموطن من الذخيرة « برلوضة » بالضاد المعجمة ؛ وفي الأصل أيضا أبو عمر بن فتح . [ 5 ] ص : عمالها .